
كلمة سماحة السيد الميلاني في ذكرى شهادة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام في الندوة التي أقامتها مؤسسة الإمام علي (ع) مساء يوم السبت 17تشرين الأول 2009م.
الحضور الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
لم يتسن لإمام من أئمة أهل البيت عليه السلام الدور الريادي للقيام بتثقيف الناس كما أسس الباقر والصادق عليهما السلام فإذا لاحظنا الفترة من سنة 95 بعد الهجرة أي بعد استشهاد الإمام زين العابدين عليه السلام إلى سنة 145، هذه السنوات الخمسون لم يمر مثلها في تاريخ الإسلام من حيث انفتاح الأمة على مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
1- في هذه الفترة انتشرت الأفكار الغربية والغريبة والهدامة من زندقة وتشكيك والحاد، وعرفت (الدهرية) بارباكها لكثيرين وقعوا في حيرة في الاعتقاد بالله ، والرسول، ومسألة الجبر وحرية الإرادة.
يحفظ لنا التاريخ ما يعبر عنه بالمصادر: ( كتوحيد المفضل )، وقصة هذا الكتاب الذي نقله المجلسي في بحاره بأنه أتى إلى الإمام الصادق عليه السلام وسأله في أمور، فما كان من الإمام إلا أن قال له بأن يحضر في اليوم الثاني ويأتي معه بدواة وقلم وقرطاس للإجابة على هذه الشبهات الطارئة.
بعد طلوع شمس اليوم الثاني مباشرة جلس بين يدي الإمام، وبدأ الإمام يملي عليه من علومه مستخدما ً مجموعة من الحقائق العلمية التي اكتشفها العلماء بعد 11 قرن من الإمام الصادق عليه السلام، علما أن الإمام صلوات الله عليه لم يستخدم المختبرات للوصول إلى هذه الحقائق.
ذكر له الإمام من وقت الصبح إلى وقت الظهيرة وفي اليوم الثاني كذلك، وامتد هذا الأمر لأيام فكانت الخلاصة التي دونها المفضل بن عمر الجعفي.
ومن حسن الحظ أنها مترجمة باللغة الانكليزية وتجدون اقتباسات من الأيام الأربعة ذكرها العلامة الشيخ محمد حسين المظفر في كتابه عن الإمام الصادق (ع)، وكذلك شرح الرسالة في أربعة أجزاء بواسطة الشيخ محمد الخليلي بعنوان ( من أمالي الإمام الصادق)
وسأكتفي بذكر نموذجين:
أ- الدورة الدموية: لفترة طويلة كان العلماء يعتقدون أن هناك دورة واحدة في البدن ولكن عالما ً أوروبيا ً اسمه ( وليم هارفي) اكتشف أن هناك دورتين: دورة صغرى ودورة كبرى، في حين أن الإمام الصادق يشرح للمفضل هاتين الدورتين قبل ما يقرب من ألف ومئتي عام حيث شرح الدورة الدموية الصغرى والدورة الدموية الكبرى، فهل هذا علم لدني أو غيره المهم أن الإمام شرحها وأعطى تفاصيلها هذا هو علم آل محمد، وفضلهم حيث لا يقاس بهم أحد، والذي يقول فيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: لا يقاس بآل محمد أحد
ب- الظلمات الثلاث التي يشير إليها القرآن، حيث الجنين محاط بها، أوضح الإمام الصادق أنها حواجز لا ينفذ منها، الماء ولا الضوء، ولا الحرارة، وجاء بعد ذلك علم التشريح ليثبت لنا بأن هناك ثلاثة أغشية فعلا ً لا ينفذ إليها الماء والضوء والحرارة، ففي تفسير شرح لقوله تعالى ...(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
2- يذكر أساتذة الشريعة والحقوق بأن أول من أسس علم الأصول وكتب رسالة في هذا العلم، الشافعي في كتابه ( الرسالة ) . وأنا وجدت مقالة لأستاذ قدير يشكك فيها بأن كتاب الرسالة للشافعي. في المقال نجد رسالة في علم الأصول للفضل بن شاذان وهو عاصر أربعة من الأئمة عليهم السلام / الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري...وحين توفقت لزيارة قبره في ضواحي نيشابور بصحبة العالم المتبحر السيد الطباطبائي وتلميذه الشهيد مطهري وجدنا على صخرة قبره : (قال الإمام العسكري عن كتاب (الإيضاح) لابن شاذان: هذه أحاديثنا والله صحيحة ).
فتلامذة الإمام الصادق أولى بأن يؤسسوا لعلم الأصول، كما أيد ذلك المحقق السد حسن الصدر في كتاب ( تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام)
3- إلى جانب العقيدة وتوحيد المفضل وأصول الفقه والاستنباط، نجد في مدرسة الإمام الصادق عليه السلام التأكيد على التربية والتهذيب في هذا الأثر القيم بيان أهمية التقوى، وارتباط بذلك الذي نقرأه في أول سورة الجمعة (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ / وَيُزَكِّيهِمْ/ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ/ وَالْحِكْمَةَ / وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، هذه الوظائف والأدوار الثلاث..كانت من مختصات رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو أصل لأسرار تلك المدرسة.
اهتم الإمام الصادق عليه السلام بالمذهب الأخلاقي والعرفاني وبذلك فنّد من يدعي التصوف، وأسس مدرسة جديدة في التهذيب وهنا نشير إلى ما ذكره السيد رضي الدين بن طاووس من أهمية كتاب ( مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة ) الذي جمع أقوال الإمام الصادق في التزكية والسلوك إلى الله، ويستحب اصطحابه في السفر لأنه مختص بتعريف التسليك إلى الله سبحانه وتعالى.
وإذا قارنا بين مضامين هذا الكتاب وكتاب ( منية المريد في آداب المفيد والمستفيد ) للشهيد الثاني نجد أن كثيرا ً من المطالب في التربية التزكية التي سميتها يوما ً ( علم النفس التربوي في مدرسة الشهيد الثاني) متطابقة مع مضامين ( مصباح الشريعة).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للأخذ بعلوم آهل البيت وآدابهم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فاضل الحسيني الميلاني
لندن/ السبت / 17-10-2009