|
المرجعية المتميزة
للإمام الخوئي
آية الله السيد فاضل الحسيني الميلاني.
تمتاز المرجعية
الدينية في المؤسسة الشيعية على غيرها من الأنظمة الإدارية ،
والمؤسسات الإجتماعية، والمعاهد العلمية، وحتى أنظمة الحكم السياسية
بأنها ذات طابع فريد، وخصائص مميزة ، ولذا فإن الذين يحاولون دراسة
هذه الظاهرة الأصيلة من خلال الضوابط والمعايير التي عهدوها دون أن
يلموا الماما ً دقيقا ً بجوهر النظام المرجعي وما يستلزمه من
التقليد، يخرجون بنتائح عارية من الصحة أحيانا ً.
من الصعب الإعتراف بأن مسؤولية المرجع الديني
الأعلى للطائفة الشيعية تقف عند حد إقامة الحكومة الإسلامية ، كما أن
من الغبن القول بأن المرجع يتولى إدارة الحوزة العلمية فقط... ناهيك
عن الوقوف عند حد كون المرجع وسيطا ً بين المؤمنين الدافعين لحقوقهم
الشرعية من الخمس والزكاة والكفارات والمستحقين لهذه الأموال!!
لتحديد موقع المرجعية بالضبط ، يجب أن نلقي
ضوءا ً على الإجتهاد من جانب والتقليد من جانب آخر، فالإجتهاد هو
استفراغ الفقيه وسعه لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، والتقليد
هو وضع مسؤولية الأحكام الشرعية والتصرف الفردي والإجتماعي للأنسان
قلادة في عنق المجتهد.
فالمجتهد في جانب، وآحاد الأمة الذين القوا
مسؤولية الأحكام الإلهية في عنقه في الجانب الثاني..والصلة بين
المجتهد والأمة يطلق عليه (النظام المرجعي)، والجذر اللغوي لذلك هو
(الرجوع) أي الرجوع إلى المجتهد والإلتزام بما يصدر منه.
ولا يعني ذلك – كما أسلفنا – أن هذه المرجعية
تتعامل مع الفتوى فقط بل هي الرعاية الأبوية للأمة في جميع شؤونها،
ما دام المجتهد الأعلى الجامع للشروط لا يتمتع بهذه المكانة لنفسه بل
باعتباره نائبا ً عن الإمام الثاني عشر الحجة المهدي المنتظر عجل
الله فرجه الشريف.
لقد حفل تاريخ المرجعية الدينية للشيعة الأثنى
عشرية بأسماء لامعة من الفقهاء والمراجع العظام الذين غطوا مساحة
كبيرة من واقع الأمة بدءا ً من شيخ الطائفة الطوسي، ومرورا ً
بالعلامة الحلي، والشيخ الأنصاري، والسيد أبو الحسن الأصفهاني،
والسيد البروجردي وانتهاءا ً بالمرجع الديني الأعلى آية الله العظمى
السيد الخوئي رضوان الله عليه.
ومن الإنصاف أن نعترف بأن مرجعيته الرشيدة
تميزت بخصائص قلما نشهدها في غيره من مراجع الدين وإليك بعض الشواهد:
1- لقد كان الإمام الخوئي رضوان الله عليه أول
مرجع يخرّج هذا العدد الكبير من الفقهاء والمجتهدين، وهذا أمر لا
يقبل النقاش، فلئن لقب منذ خمس وثلاثين سنة بأنه زعيم الحوزة العلمية
في النجف الأشرف فقد اتسع هذا اللقب ليكون زعيم الحوزات العلمية
بأسرها.
ان الفقهاء الذين تخرجوا من مدرسة الإمام
الراحل (قده سره)، يكونون أكثر من 75% من كل فقهاء الشيعة الإمامية
في العصر الحاضر وهم موزعون في كل بقاع الأرض رافعين مشاعل العلم
والهداية.
2- لقد شهد الإمام الخوئي (قده) ثلاثة أجيال من
تلامذته الذين بلغوا رتبة الإجتهاد، وربما كان الكلام في الجيل
الرابع من تلامذته في بلوغهم رتبة الإجتهاد صادقا ً، وهذا ما يميزه
عن غيره من المراجع الذين سبقوه أو عاصروه.
3- كان الإمام الخوئي قدس سره يرعى كل الحوزات
العلمية في العالم بالرواتب والمساعدات حتى يتفرغ الأساتذه وطلاب
العلوم الدينية لعملهم الفقهي وخدماتهم الدينية الجليلة فحوزة النجف
الأِشرف وحوزة قم ومشهد واصفهان وتبريز وغيرها في ايران والحوزات
والمعاهد الدينية في الهند وباكستان وتايلند وحتى في أوروبا من
الشواهد الحية على ذلك.
هذه الرعاية الشاملة تعتبر من مختصات مرجعية
الإمام الراحل.
4- لقد كان الإمام الخوئي (قده)، أول مرجع اهتم
بالعمل المؤسساتي، تأسيسا ً ودعما ً ففي جانب التأسيس أمر بتأسيس
(مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية)، وهي مؤسسة عالمية قامت في غضون عمرها
القصير بمشاريع دينية وثقافية واجتماعية ضخمة ممتازة في شتى بقاع
المعمورة.
وفي جانب الدعم كان رضوان الله عليه يدعم كل
مشروع ديني وثقافي للمؤمنين باعطاء الإجازات السخية لصرف حصة من سهم
الإمام عليه السلام في ذلك المشروع.
5- وتبحّر الإمام الراحل (قده) في " علم الرجال"
أو علم " الجرح والتعديل"، وهو العلم الذي يُعنى بتحقيق حال الرواة
الذين يتوقف على وثاقتهم استنباط الأحكام الشرعية من الأحاديث التي
رووها عن المعصومين سلام الله عليهم أجمعين... واضح للجميع.
ولو حاولنا استقصاء جميع ما تفردت به مرجعية
الإمام الخوئي (قده) في المجالات العديدة لاستدعى منا بحوثا ً مفصلة
لا تتناسب مع شدة المحنة التي نحن فيها أيام ارتحاله، ولكن هذه
اشارات عابرة.
من هذه المنطلقات نجد الحديث المروي عن رسول
الله (ص): " إذا مات العالم الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها
شئ"أصدق تعبير عن الفادحة التي ألمّت بالأمة الإسلامية حين رحل
الإمام الخوئي رضوان الله عليه إلى الرفيق الأعلى.
ولئن غاب بشخصه، فإن مدرسته الفكرية ، ومنهجه
الأصولي الفذ في الأستنباط، واسلوبه العلمي التحقيقي الذي دربنا
عليه، لا يزال نبراسا ً لنا يضيء الدرب في متاهات الحياة.
وليخلد التاريخ هذا العملاق الذي لا يجارى،
والقمة التي تُتعب المتسلقين في بلوغ شاهقها والتربع على مجدها.
-
ألقيت في
الذكرى السنوية الأولى لوفاة الإمام الخوئي في لندن.
|