( نص الكلمة التي ألقاها سماحة آية الله الدكتور السيد فاضل
الميلاني في مؤسسة الإمام الخوئي في الذكرى الثلاثين لتغييب
رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان سماحة الإمام
السيد موسى الصدر ورفيقيه، السبت الواقع في 30 آب 2008 )
بسم الله الرحمن الرحيم
إخوتي الأفاضل، أخواتي المحترمات، السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
في هذا اللقاء المبارك يعجبني أن نتحدث عن دور الإمام موسى
الصدر في النهوض بالأمة. وحين نقول عن النهوض بالأمة نتحدث عن
سعة في الصدر، وسعة في الأفق، وسعة في الاهتمامات، وخروج على
الذاتية والذاتيات. وهذا ما يشخص تطبيق هدف جوهري من أهداف
الإسلام العظيم وأطروحة كاملة من الأطروحات القرآنية في شخصية
الإمام موسى الصدر.
استوحى الوحدة والتعالي على الذات والفئويات، من محورية
المسجد الحرام حيث تجتمع حول الكعبة الشريفة كل أطياف الأمة
الإسلامية، بأجناسها، بمذاهبها، بخلفياتها الجغرافية
والتاريخية بانتماءاتها المذهبية ليدور الجميع حول هذا البيت
وليكون تجسيدا ً لمركزية الإسلام ومركزية الأهداف الإسلامية
حينما تجتمع الأمة كلها وتدور حول محور واحد.
إن التركيز على اختلاف الألوان والأجناس، والقوميات،
والمذاهب والفئات والأحزاب لا يحدث في فكر الإنسان إلا التقوقع
والتحجر، وكان الإمام موسى الصدر أعلى بكثير من هذا التحجر ومن
هذا التقوقع، وكما قال علي صلوات الله وسلامه عليه: ( آلة
الرياسة سعة الصدر ) والرئاسة في مفهوم رجال عظماء كالإمام
موسى الصدر ليست هدفا ً وليست منصبا ً، وإنما هي أداة من
خلالها يحدث التغيير، ولكي يصل الإنسان إلى ذلك الهدف يحتاج
إلى سعة في الأفق وسعة في التطلع وسعة في الاهتمامات واحتواء
للجميع وليس ذلك بغريب على من قرأ قوله تعالى(فَإِذَا الَّذِي
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ).
أي هدف أعظم من ذلك؟! لسنا بحاجة إلى التشنجات وإلى الفئويات
الضيقة ما دمنا نملك هذا الشعار العظيم.
إن الاختلاف في آلية العمل يفترض أن لا يضرّ بوحدة الهدف،
وتوحيد الصف، فإذا كان الخلاف مع العدو يفترض فيه أن ينقلب إلى
أساس للولاية والصداقة الحميمة فكيف يكون موقفنا من الذين
يتفقون معنا في الهدف والفكر والمنهج، إلا أننا نختلف معهم في
الآليات؟ إن ما يؤسف له هو أنّ هذا التحجر، وهذا التقوقع، وهذا
التمحور حول الذات والذاتيات خلق لنا مشاكل كثيرة.
جاء الإمام موسى الصدر ففكّر بسعة صدر وسعة أفق وسعة
اهتمامات، وفعلا ً قام بمحاورة الجميع، ذهب إلى الفاتيكان،
وحاور البابا في حينه وتناقش مع البابا في المشاكل العالقة
للمسلمين والمسيحيين معا ً في لبنان، وحظي باحترام الرئيس
الأعلى للكنيسة الكاثوليكية، وذهب إلى الإتحاد السوفياتي وحاور
أولئك الذين لا يؤمنون بالله ( حسب المنظور العقيدي) ولكنهم في
اتجاهاتهم السياسية يقفون قوة عسكرية سياسية عظيمة في مقابل
القوة الأخرى التي تفردت بنا فكانت المآسي التي نعرفها في
وقتنا الحاضر في العراق وفي غير العراق.
فإذا ً لسنا مع تأييد الفكر الماركسي ذي الاتجاه الشيوعي
حينما يذهب الإمام موسى الصدر إلى الإتحاد السوفياتي، ولكنه
البروتوكول، والرسميات هذه لا تعبر عن شيء بقدر ما تعبر عن
تعالي هذا الرجل وهذا الإنسان على الشخصانيات، وبمقدار ما
يتعالى الشخص على الشخصانية يظهر جوهره وتنصقل حقيقته وينفتح
على الأفق قائدا ً عملاقا ً يستحق كل احترام.
عندما ذهب الإمام موسى الصدر إلى لبنان كان أتباع مدرسة أهل
البيت يعانون أشد أنواع الحرمان، ففكّر في أن ينهض بالأمة كلها
لا بالشيعة فقط، لكنه بدأ بأتباع مدرسة أهل البيت، فالحرمان لا
بد أن يتبدل إلى أمل، والضعف يتبدل إلى قوة، والإستحمار
والنسيان والتهميش هذه الأمور كلها يبددها الإمام موسى الصدر،
فيرفع صوته عاليا ً بأننا نحتاج ونستحق أن نتكافأ مع غيرنا من
أبناء الشعب اللبناني بكل الحقوق والواجبات، ولا شك أن الذين
ساروا على طريق الإمام موسى الصدر والذين أيدوه والذين تفهموا
فلسفته في الحياة وفي أفق لبنان وفي القضايا العالمية بشكل عام
استمروا في هذا الدرب إلى أن حققوا، وحقق الشعب اللبناني
العظيم في السنوات الأخيرة ما لم تستطع الجيوش العظيمة للدول
العربية بأجمعها تحقيقه في مواجهة العدوان الإسرائيلي الغاشم.
نعم نحن نعتز بذلك...نعتز بأننا نملك إخوة لنا يشاركوننا في
العقيدة والفكر والانتماء، ولكنهم بتضحياتهم وبفهمهم لمعنى
الشهادة، وبتحديهم وعدم معرفتهم لمعنى الهزيمة استطاعوا أن
يحققوا أروع الانتصارات، بحيث انقسم اللوبي الصهيوني والسياسة
الصهيونية والموجودين في إسرائيل.. انقسموا فيما بينهم يلوم
بعضهم بعضا ،ً ويخوّن بعضهم الآخر: لماذا فشلتم في مواجهة
مجموعة قليلة من اللبنانيين لا يملكون إلا القليل من السلاح
والأدوات والعدة والعدد؟!.
فإذا ً التخطيط للنهوض بالأمة كان فكرا ً واضحا ً ومنهجيا ً
في مدرسة الإمام موسى الصدر، ولقد ضحى بكل شيء في هذا المجال
وتحمل ما تحمل، ولكنه يبقى فارع القامة شجاعا إيجابيا ً
متفائلا ً، لا يهتم بالصعاب والمحن والمشاكل. فالقائد النابغ
هو الذي يقلب الهزيمة إلى انتصار، والذي يقلب الخسارة إلى
الربح. فإذا وجدنا تاجرا ً أو مستثمرا ً عانى صعوبات كبيرة
اقتصادية ومالية، ولكنه مع ذلك استطاع أن يتحداها ويبني
مستقبلا ً زاهرا ً على المستوى الاقتصادي هذا نجاح، وإذا رأينا
قائدا ً يتحدى كل الصعوبات والمحن التي هي ليست قليلة فهذا
يدعو إلى الإعتزاز... وهنا يعجبني أن أتمثل قول الشاعر في
مقابل التحديات حيث يقول:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا هل حارب الدهر إلا من به خطر؟!
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصـى قعره الـدرر!!
وكم على الأرض من خضراء مورقة ٍ وليس يرجم إلا ما به ثمر ُ
وفي السمـاء نجوم لا عداد لها وليس يكسف إلا الشمس والقمر
ما نفهمه من كل ذلك أن التحديات والمحن والصعوبات تخلق وتصقل
الشخصية، وكما قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه "
الشجرة البرية أصلب عودا ً وأبقى وقودا ً وأبطأ خمودا ً" بناءا
ً على ذلك يقف صاحب المشروع التغييري رابط الجأش قويا ً عزيمة
وفكرا ً ومنطقا ً، ومع ذلك يستعين بالله تعالى وقلبه ذائب في
محبة الله تعالى، يستمّد منه النصر، والباري عز وجل حين يجد
شعبا ً وأمة ً أصرّت أن ترفع مستواها يبشّرهم قائلا ً: ( إِنَّ
اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا
بِأَنفُسِهِمْ )،وهكذا يمدّها بأسباب النصر.
بعد ثلاثين سنة من تغييب الإمام موسى الصدر يجتمع أحبته
ومريدوه ومقتفو أثره في كل مكان في أوروبا، في المملكة
المتحدة، في لبنان وفي كل بقاع العالم، ليقولوا أن فكر الإمام
موسى الصدر هو الغذاء الروحي الذي يغذينا ويعطينا الهمة،
ويبعثنا على الطريق.
نسأل الله تبارك وتعالى أن نرى هذه الآثار وهذه البركات
مستمرة، وأن تكون آثارا ً طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها
في السماء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|